ابن أبي مخرمة
390
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
كان إماما عالما ، صاحب تصانيف في المغازي والردة وغير ذلك . سمع ابن أبي ذئب ، ومعمر بن راشد ، ومالك بن أنس ، والثوري وغيرهم . وروى عنه كاتبه محمد بن سعد الزهري وغيره من الأئمة ، وضعفه أهل الحديث . ولي القضاء بشرقي بغداد ، وكان المأمون يكرمه ، ويبالغ في رعايته . كتب مرة إلى المأمون يشكو إضافة لحقته ، ودينا ركبه ، فوقّع المأمون في الرقعة بخطه : فيك خلتان : سخاء وحياء ، فالسخاء أطلق يديك بتبذير ما ملكت ، والحياء حملك على أن ذكرت لنا بعض دينك ، فقد أمرنا لك بضعف ما سألت ؛ فإن كنا قصرنا . . فجنايتك على نفسك ، وإن كنا بلغنا بغيتك . . فزد في بسط يدك ، فإن خزائن اللّه مفتوحة ، ويده بالخير مبسوطة ، وأنت حدثتني حين كنت على قضاء الرشيد أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال للزبير : « يا زبير ؛ إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش ، ينزل اللّه سبحانه وتعالى للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم ، فمن كثّر . . كثّر له ، ومن قلّل . . قلّل عليه » ، قال الواقدي : وكنت أنسيت الحديث ، فكان مذاكرته إياي أعجب من صلته ! وذكر أبو الفرج بن الجوزي في « أخبار بشر الحافي » : أن الواقدي روى عنه أنه يكتب للحمى يوم السبت على ورقة زيتون - والكاتب على طهارة - : جهنم غرثى ، وعلى ورقة أخرى : جهنم عطشى ، وعلى ورقة أخرى : جهنم مضرورة ، ثم يجعل في خرقة ، ويشد في عضد المحموم الأيسر ، قال الواقدي : جربته فوجدته نافعا . وروى المسعودي في « مروج الذهب » : ( أن الواقدي قال : كان لي صديقان ، أحدهما هاشمي ، وكنا كنفس واحدة ، قال : فنالتني ضائقة شديدة ، فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة ، فوجه إليّ كيسا مختوما ، ذكر أن فيه ألف درهم ، فما استقر قراري حتى كتب إليّ صديقي الآخر يشكو إلي ما شكوت إلى صديقي الهاشمي ، فوجهت إليه الكيس بخاتمه ، وخرجت إلى المسجد ، فأقمت فيه ليلتي مستحييا من امرأتي ، فلما دخلت عليها . . استحسنت فعلي ولم تعنفني عليه ، وبينا أنا كذلك . . إذ وافاني صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته وقال لي : اصدقني فيما فعلته فيما وجهت به إليك ، فعرفته الخبر على وجهه ، فقال : إنك وجهت إلي وما أملك على الأرض إلا ما بعثت به إليك ، فكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة ، فوجه إلي كيسي بخاتمي ، قال الواقدي : فتواسينا الألف فيما بيننا ، وأخرجنا منه للمرأة مائة درهم ، قال ونمي الخبر إلى المأمون ، فدعاني ، فشرحت له